الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

61

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فهو متمكن منه الخلق العظيم في نفسه ، ومتمكن منه في دعوته الدينية . واعلم أن جماع الخلق العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن هو التدين ، ومعرفة الحقائق ، وحلم النفس ، والعدل ، والصبر على المتاعب ، والاعتراف للمحسن ، والتواضع ، والزهد ، والعفة ، والعفو ، والجمود ، والحياء ، والشجاعة ، وحسن الصمت ، والتؤدة ، والوقار ، والرحمة ، وحسن المعاملة والمعاشرة . والأخلاق كامنة في النفس ومظاهرها تصرفات صاحبها في كلامه ، وطلاقة وجهه ، وثباته ، وحكمه ، وحركته وسكونه ، وطعامه وشرابه ، وتأديب أهله ومن لنظره ، وما يترتب على ذلك من حرمته عند الناس ، وحسن الثناء عليه والسّمعة . وأما مظاهرها في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففي ذلك كله وفي سياسته أمته ، وفيما خص به من فصاحة كلامه وجوامع كلمه . [ 5 - 6 ] [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 5 إلى 6 ] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ( 6 ) الفاء للتفريع على قوله : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [ القلم : 2 ] باعتبار ما اقتضاه قوله بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [ القلم : 2 ] من إبطال مقالة قيلت في شأنه قالها أعداؤه في الدين ، ابتدأ بإبطال بهتانهم ، وفرع عليه أنهم إذا نظروا الدلائل وتوسموا الشمائل علموا أي الفريقين المفتون أهم مفتونون بالانصراف عن الحق والرشد ، أم هو باختلال العقل كما اختلقوا . والمقصود هو ما في قوله : وَيُبْصِرُونَ ولكن أدمج فيه قوله : فَسَتُبْصِرُ ليتأتى بذكر الجانبين إيقاع كلام منصف ( أي داع إلى الإنصاف ) على طريقة قوله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] لأن القرآن يبلغ مسامعهم ويتلى عليهم . وفعلا ( تبصر ويبصرون ) ، بمعنى البصر الحسي . وروي عن ابن عباس ، أن معناه فستعلم ويعلمون ، فجعله مثل استعمال فعل الرؤية في معنى الظن ، فلعله أراد تفسير حاصل المعنى إذ قد قيل إن الفعل المشتق من ( أبصر ) لا يستعمل بمعنى الظن والاعتقاد عند جمهور اللغويين والنحاة خلافا لهشام كذا في « التسهيل » « 1 » فالمعنى : سترى ويرون رأي العين أيكم المفتون فإن كان بمعنى العلم فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد رأى ذلك فالسين في قوله : فَسَتُبْصِرُ للتأكيد ، وأما المشركون فسيرون ذلك ، أي يعلمون آثار فتونهم وذلك

--> ( 1 ) هو هشام بن معاوية الكوفي من أصحاب الكسائي توفي سنة 209 .